الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

313

مناهل العرفان في علوم القرآن

العامل الرابع أن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - كانوا مغرمين بالتفقّه والتعلم ، مولعين بالبحث والتنقيب ، مشغوفين بكلام اللّه وكلام رسول اللّه ، يعقدون المجالس لمدارسة القرآن وفهمه ، ويركبون ظهور المطايا لطلب العلم وأخذه . وكانت عناية الرسول بتعليمهم القرآن تفوق كل عناية ، يقرؤه عليهم ، ويخطبهم به ، ويزيّن إمامته لهم بقراءته في صلاته ، وفي دروسه وعظاته . وكان فوق ذلك يحب أن يسمعه منهم كما يحب أن يقرأه عليهم . روى البخاري ومسلم أن ابن مسعود قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اقرأ علىّ القرآن . قلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : إني أحبّ أن أسمعه من غيرى . فقرأت عليه سورة النّساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية : « فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا » قال : حسبك الآن . فالتفتّ إليه فإذا عيناه تذرفان . وكذلك كان الصحابة ، همتهم أن يقرأ والقرآن ويستمعوه . روى الشيخان عن أبي موسى رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريّين بالليل حين يدخلون ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنّهار » . وروى الدارميّ وغيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه كان يقول لأبى موسى الأشعري : ذكّرنا ربّنا فيقرأ عنده القرآن . قال النووي : وقد مات جماعات من الصالحين بسبب قراءة من سألوه القراءة . وقد سبق في عوامل حفظ الصحابة للسنة مدى عنايتهم بالإقبال عليها والاهتمام بلقاء